علي بن أحمد المهائمي

64

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

على إنكار شيء منه على وجهه ، ولا محو كتبه لغيبته ، ( وبيده صلّى اللّه عليه وسلّم كتاب ) ، أشار بذلك إلى أنه كالملك له ؛ فلا يصل إليه غيره إلا بواسطته صلّى اللّه عليه وسلّم . وما حصل للشيخ رضي اللّه عنه بواسطته صلّى اللّه عليه وسلّم فهو أتم مراتب الكشف ، وأشار إلى هذا المعنى بقوله : ( فقال لي : هذا كتاب « فصوص الحكم » ) ، أي : علوم تتزين بها بقية العلوم كما نزين الخاتم بالفص ، أو علوم هي غايات كمالات أذواق الكمّل من الأنبياء - عليهم السلام ؛ إذ الفصّ ختم للخاتم ، ونهاية لكماله ، خصّ الشيخ رضي اللّه عنه بإعطاء ذلك في هذه الأمة التي علماؤها كأنبياء بني إسرائيل ؛ فهو من أكابر أولئك العلماء ، ولأمر ما قال له صلّى اللّه عليه وسلّم : ( « خذه واخرج به إلى الناس » ) « 1 » ، الأمر بأخذه أولا ليفوز برتبة الكمال ، ثم بإخراجه إلى الناس ليفوز برتبة التكميل ، وبهذه الجملة تكمل المشابهة بالأنبياء - عليهم السلام ، فإن من الأولياء من يعطى الأسرار ، ولا يؤمر بإخراجها إلى الناس ، وفيه تمهيد لعذره في إخراج هذه الأسرار بأنه لم يخرجها ما لم يجب عليه إخراجها بأمر اللّه تعالى ، فإن الآمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورؤيته كأمر اللّه تعالى ورؤيته : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] ، « ومن رآني ؛ فقد رأى الحق » « 2 » . ثم علل ذلك بقوله : ( ينتفعون به ) ، بأن يطلعوا بذلك على كمالات الأنبياء عليهم السلام ، وغاية علومهم وأذواقهم ، ويرون مع ذلك فضل نبينا عليه السّلام عليهم في تلك المراتب فيزدادون به إيمانا ، ويطلعون بذلك على بعض أحوال الناس . وفي قوله : « إلى الناس ينتفعون به » إشارة إلى أن من لا ينتفع به ، فليس من الناس بل من البهائم أو السباع أو الشياطين ؛ فافهم . ( فقلت : السمع والطاعة للّه ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولأولي الأمر منا ) ، لما كان أمره عليه السّلام أمر اللّه تعالى للآية المذكورة مع أن الكامل لا يرى شيئا إلا يرى اللّه فيه أو معه أو قبله أو بعده ، قال : السمع والطاعة للّه ولرسوله ، ولما كانت المشايخ تابعين له عليه السّلام كان أمره عليه السّلام موجبا لإجازتهم هو إشارة إلى إجازتهم بطريق الإلزام في إظهار الأسرار ، ( كما أمرنا ) ، إشارة إلى قوله تعالى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] ، وهم المشايخ والعلماء في جميع الأمور . قال : منا وكذا الأمراء في بعض الأمور ، وهو فيما أمروا أن يأمروا بذلك ، ( فحققت الأمنية ) ، أي : لمّا أمرت بأخذ ذلك الكتاب وإخراجه إلى الناس الموجبين للفوز برتبة

--> ( 1 ) رواه الطبراني في « الكبير » ( 5 / 59 ) ، و « الأوسط » ( 4 / 445 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 2568 ) ، ومسلم ( 4 / 1776 ) .